مناقلة الرأي العام

بواسطة عدد المشاهدات : 299
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
مناقلة الرأي العام

الكاتب: مــحــمــد شــريــف أبــو مــيــســم

ما يميز الرأي العام في بلدنا، انه شديد التأثر بخطاب سلطة الاعلام، واقول “خطاب سلطة الاعلام” وليس “الخطاب الاعلامي” لأن جوهر السلطة المتعلق بتوجيه السلوك العام عن طريق اصدار القوانين والقرارات يكاد ينعدم في مشهدنا المرتبك، ازاء القوة والنفوذ اللتين يتمتع بهما الاعلام في واقعنا الراهن

اذ تتقدم سلطته على السلطات الثلاث في التأثير وفي ادارة وصناعة الرأي، فضلا عما يتمتع به من قوة تفوق قوة الحكومة في التعاطي مع التشكيلات السياسية والمؤسسية.

اذ غالبا ما يصادر الرأي العام في بلدنا لصالح سلطة الاعلام بفعل قوة عناصر التأثير الاعلامية هذه، ما يجعل مناقلته من قضية الى أخرى أمرا بالغ السهولة.. وهنا لا تبدو انتقالات الاعلام العراقي تحديدا من قضية رأي عام الى أخرى ناجمة عن فعل اداري لمؤسسة تدير هذا الاعلام وتوجهه كما حصل في ادارة وتوجيه القنوات العربية الاكثر تأثيرا في الشارع العربي من قبل جهات استطاعت أن تدير لعبة التأثير في العواصم العربية ابان ما سمي بالربيع العربي، اذ ان القنوات الفضائية العراقية سرعان ما تبتلع الطعم وتساهم في الاعلان والدعاية لموضوع ما دون أن تعي ما ورائيات الخامة الخبرية التي غالبا ما يعاد اجترارها في نشرات الأخبار والبرامج السياسية واللقاءات الحوارية، وعادة ما تكون الخامة الخبرية أكثر تأثيرا في الشارع كلما كانت ذات صلة بصراع الشارع مع القوى السياسية الحاكمة التي تركت أثرا غير حميد في صدارتها لمجريات واقع الفوضى والفساد واستغلال النفوذ.

ويمكن تصور ذلك ونحن نتابع الضجة - التي نقلت الرأي العام الى موضوع مناقلة 54 مليار دينار لصالح موازنة مجلس النواب - من موقع المتلقي لتسريبات تتحدث عن بلورة مشروع “النفط مقابل الاعمار” او ما سمي بمشروع “مارشال العراق” الذي قد يوظف في التسويق السياسي بما لا يخدم أصحاب المشروع.

اذ تشير هذه التسريبات الى ان المؤسسة التي تقف خلف الرئيس الأميركي ترامب تشتغل حاليا على وضع اللمسات الأخيرة لمشروع يتم بمقتضاه دخول الأموال الأميركية للعراق بعد زوال الارهاب وجنوح القوى المتصارعة على السلطة للمصالحة قسريا بالتزامن مع عودة العراق لمحيطه العربي والشروع بعمليات البناء والاعمار بما يشبه المشروع الذي تقدم به رئيس هيئة الأركان الأميركية “جورج مارشال” في العام 1947 لاعمار دول غرب أوروبا التي دمرتها الحرب مقابل هيمنة الأموال الأميركية على مستقبل اقتصادات تلك الدول والحؤول دون تمدد الشيوعية باتجاه تلك الدول التي كانت تعاني من كوارث الحرب.

ومارشال العراق يراد به ظاهريا اعادة اعمار ما دمرته الحرب مع داعش التي بقيت مجهولة الاب والأم وهي تلفظ انفاسها الأخيرة! والانتهاء من (حدوتة) الفساد بعد أن ادت ما عليها، ووضع حد لهيمنة السياسيين وأذنابهم على الريع النفطي من خلال استثمار الشركات النفطية الأميركية في مشروع اعادة الاعمار مقابل الحصول على النفط العراقي لعشرين سنة مقبلة. فيما تشير ملامح المشروع لاعداد مسبق على مدار أربعة عشر عاما من الفوضى الخلاقة تخللتها كرنفالات تقطيع الأوصال يوميا وفتح الأبواب على مصراعيها للتدخلات الخارجية وادامة المناكفات بين القوى السياسية وتعويق كل محاولات النهوض بالاقتصاد واشاعة الفساد والاحباط جراء استمرار فشل خطط وفعاليات الوزارات والمؤسسات القطاعية بفعل التصارعات السياسية والطائفية واعاقة دخول القوانين الى حيز التطبيق وتعطيل تشريع البعض الآخر منها وارتفاع نسب البطالة والفقر واستمرار تراجع مساهمة القطاعات الحقيقية في الناتج المحلي الاجمالي فضلا عن تعطيل كل الخطط والستراتيجيات، وفي مقدمتها الستراتيجية الوطنية للطاقة التي كان يمكن أن تجعل من العراق بلدا صناعيا بامتياز.

وكل ذلك الاعداد انطلق من القوانين التي وضعها سيئ الصيت بريمر، والتي ساهمت في التأسيس للفوضى الخلاقة وانتهاء بمنزلق المديونية وشروطها التي جيرت البلاد لصالح رأس المال الذي يحكم العالم يكون مشروع “النفط مقابل الاعمار” أو مشروع مارشال العراق بداية للشروع بعراق جديد لن يكون فيه ابناؤه الا أجراء وتابعين للذيول التي نهبت المال العام وتسيدت على أبناء جلدتها لصالح تبعيتها للشركات التي ستحكم البلاد وفق مقاسات سوق رأسمالية تصنع القرار السياسي من الحديقة الخلفية

للاقتصاد.

 

وهذا المشروع الذي اشتغلت عليه المؤسسات التي صنعت التغيير والفوضى بالعراق، لا يراد له حاليا أن يكون مادة خام لوسائل الاعلام العراقية خشية أن يكون وسيلة للتسويق السياسي قبل الانتهاء من داعش، والغريب ان ينتقل خطاب سلطة الاعلام الى قضية مناقلة 54 مليار دينار بحماسة منقطعة النظير وهي لا ترتقي لـ”كومشن” بسيط في مقاولة محلية، فضلا عن كونها اجراء قانونيا جمّلت الحديث عنها وجوه المفسدين، فيما تغير مسار وجهة الرأي العام عن قضية “دمار شامل للبلاد والعباد” عمرها أربعة عشر عاما ساهم فيها المتزاحمون على الصدارة والمال مقابل خصخصة وطن وارتهان مستقبل.

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
الأكثر مشاهدة
الجبوري يتحدث عن "معارك مؤجلة" في نينوى بعد تحريرها
اعتقال السفير الفرنسي السابق ببغداد وهو ينقل مبلغا كبيرا جلبه من العراق
الكشف عن "لقاء سري" جمع وزير خارجية قطر بسليماني في بغداد.. هذه التفاصيل
وصول قوة "ذوي الارياش السوداء" إلى العراق.. تعرف عليها
ثلاثون لاعبا بينهم عشرة محترفين وثلاثة جدد مع الوطني
مستشار العبادي يتهم جهات بالترويج لفكرة تدهور سعر الصرف الدينار العراقي
المرجع السيستاني يحدد الحكم الشرعي للخطوبة وحق الخاطب برؤية من يتقدم لها دون حجاب
مجلس المفوضين الجديد سيكون من نفس الأعضاء الحاليين.. شاهد الوثائق
وزارة الشباب والرياضة تؤجر ملاعبها للاندية المشمولة بجولة التراخيص الاسيوية لعام واحد
المالية توجه باحتساب ترفيع موظفي الدولة من تاريخ الاستحقاق
دولة القانون: معصوم تسبب بـ"إهانة" العراق
العطية يدعو السعودية الى منح تأشيرات الحجاج من سفارتها في بغداد
اعتصام مفتوح لأهالي أبو صيدا في ديالى.. لهذه الأسباب
طيران الجيش يحبط محاولة لداعش لفك الحصار عن عناصره بأيمن الموصل
بالوثيقة.. لهذا السبب ابراهيم الجعفري في البرلمان الخميس المقبل
المرجع السيستاني يبدي دعما لعمل منظمة أطباء بلا حدود في العراق ويؤكد اهمية مساعدة النازحين من الموصل
الجبوري يتحدث عن "معارك مؤجلة" في نينوى بعد تحريرها
هذا ما بحثه مقتدى الصدر مع قادة الحزب الشيوعي
شرطة ديالى: القبض على عصابة تبتز أهالي ضحايا سبايكر
اعتقال السفير الفرنسي السابق ببغداد وهو ينقل مبلغا كبيرا جلبه من العراق
الإعلام الحربي ينشر خارطة للموصل تكشف المساحة القليلة المتبقية لداعش فيها
من هي سيدة فرنسا الأولى بريجيت ترونيو؟
معلومات بغاية الخطورة يُدلي بها معتقل مقرب من البغدادي
ائتلاف المالكي يهاجم وزير الدفاع السعودي بعد تصريحات له عن الإمام المهدي
الكشف عن "لقاء سري" جمع وزير خارجية قطر بسليماني في بغداد.. هذه التفاصيل
"داعش" يتحول الى بضعة سنتيمترات على الخريطة .. شاهدها
وصول قوة "ذوي الارياش السوداء" إلى العراق.. تعرف عليها
الحكيم لوفد التغيير: استقرار إقليم كردستان ينعكس على استقرار العراق
مقتل "انتحاريين" حاولا التسلل إلى بحيرة الرزازة
مجلس البصرة يلوح باجراء " حاسم " ردا على برمجة تجهيز وقطع الكهرباء في المحافظة
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية