الكاكائيون في العراق، بين طمس الهوية والتكفير

بواسطة عدد المشاهدات : 3822
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
الكاكائيون في العراق، بين طمس الهوية والتكفير

 

 

 

مصطفى سعدون

 

"لا أحد يعرف هويتي الكاكائية، الجميع يعرفونني مُسلماً، ولم أكن أريد إخفاء هويتي لولا خوفي من القتل"، هكذا يقول أحمد رشيد (إسم مستعار) عن مخاوفه من إعلان هويته الدينية.

 

في هوية الأحوال المدنية العراقية، لم يُشر لأحمد ولا لأي منتمٍ للكاكائية على إنهم أتباع هذه الديانة، بل يُجبرون على حمل صفة "المسلم" وأن كانوا غير مسلمين.

 

لم يعترف الدستور العراقي بهم كديانة موجودة في العراق، رغم إعترافه بالديانات الإسلامية والمسيحية والأيزيدية والصابئية، وهذا ما يجعل مخاوفهم تزداد يومياً وتتوسع عملية تذويب هويتهم داخل المجتمعات الكبيرة.

 

يقول رشيد، "نحن نُعاني كثيراً، فالتشريعات لم تُنصفنا، ولا المجتمعات أيضاً ولا حتى رجال الدين الذين دائماً ما نتعرض من بعضهم للتكفير وخطاب الكراهية على إننا غير مسلمين ولا يجب الشراء منا ولا التعامل معنا".

 

وتُعتبر الكاكائية ديانة توحيدية لكنها غير مسُلمة، رغم وجود إنقسام وإختلاف داخل المجتمع الكاكائي حول ذلك، إلا أن أغلبهم يُشيرون إلى إتباعهم دين آخر غير الدين الإسلامي، ولهذا السبب وصفوا بـ"المرتدين"، أي الذين إرتدوا عن الدين الإسلامي.

 

إضطر عدد كبير من الكاكائيين إلى الزعم بأنهم مُسلمون لإبعاد أية شُبهات قد تدفع المتطرفين لقتلهم، لذا يُمارسون الطقوس الإسلامية الظاهرية بشكل مستمر، خاصة أؤلئك الذين يعيشون في مجتمعات مُسلمة.

 

يقول الباحث في شؤون الأقليات سعد سلوم إن "الكاكائيين يعانون من التمييز والتكفير، فهم متهمون بعبادة غير ألله، كما أتهموا بأنهم يُحللون المحارم وممارسة الجنس، وهذا كله جاء نتيجة الصور النمطية التي رُسمت عنهم ودفعت البعض لتكفيرهم".

 

 إمرأة كاكائية وفتاة من الديانة نفسها AFP

 

طمس الهوية والقتل

 

قتل تنظيم "داعش" والجماعات المتطرفة في مدينة كركوك ومناطق أخرى سيطر عليها خلال السنوات الـ14 الماضية، 250 كاكائي تقريباً بعدما أعلن تكفيرهم.

 

وكشفت وثيقة صادرة عن التنظيمات الداخلية لـ"داعش" عن تكفيره لأتباع هذه الديانة وضرورة القصاص منهم بإعتبارهم "مرتدين أو كفرة".

 

وتُعتبر القرى التي يسكنها أتباع  الديانة الكاكائية لغمة سائغة أمام هجمات تنظيم "داعش"، فهناك 10 قُرى في قضاء داقوق بمحافظة كركوك تُجاور مناطق أخرى يُسيطر عليها التنظيم.

 

سامان كريم وهو من أتباع الديانة الكاكائية ويسكن محافظة كركوك، يتحدث عن عمليات التكفير التي لحقت بهم: "في كل مرة نسمع مقاطع فيديو أو تسجيلات صوتية لرجال دين يُكفرون أتباع الديانة الكاكائية، او يقولون إن كل الذين لا ينتمون للدين الإسلامي، كفرة".

 

يتذكر كريم كيف قصة إثنين من أقاربه عام 2014 عندما سيطر تنظيم "داعش" على أجزاء من محافظة كركوك: "نقل لنا شهود عيان عن إختطافهم من قبل التنظيم، وسُحلوا في الشارع بتُهمة انهم كفرة ولا يلتزمون بتعاليم الدين الإسلامي".

 

شايان وهي فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً، قُتل والدها أثناء سيطرة تنظيم "داعش" على مدينة الموصل في العاشر من حزيران/يونيو 2014، وشاهدت أمام عينها عندما كانت تبلغ من العمر 11 عاماً، كيف قطع عناصر التنظيم رأسه أمام منزلهم في حي الوحدة.

 

تقول شايان "كان مشهد الإعدام بشع جداً، وكُنت أقف على بعد عشرات الأمتار والناس تجمعت من حوله ليُشاهدوا قتله في اليوم الذي سيطر التنظيم فيه على المدينة. تمكنت ووالدتي وإخوتي من النجاة لأن جيراننا حافظوا علينا لحين تمكنا الهرب والوصول إلى أربيل".

 

حتى في أربيل لا تستطيع شايان وعائلتها وبقية الكاكئيين الإفصاح عن هويتهم الدينية، فهُناك من يعتبرهم "خارجين" عن القومية الكوردية، لذا يُعتبرون "خونة" بنظر البعض.

 

رائد شوقي (إسم مستعار) ويسكن محافظة أربيل شمالي العراق، يقول إنه "لا أحد يعرف به كاكائياً"، ورغم تمنياته بأن يأتي اليوم الذي لا يجد مشكلة في إشهار هويته، إلا أنه سيبقى "متخفياً بهوية إسلامية"، بحسب قوله.

 

سمع شوقي أكثر من مرة كيف أن الحكومة في كردستان العراق تُريد أن تجعل الكاكائيين منتمين للقومية الكوردية وتجريدهم من قويتهم، وهذا مازاد من مخاوفه التي دفعته للتفكير بالهجرة خارج البلاد.

 

لدى الكاكائيون معبداً إسمه (الجم خانة)، وهذا يشبه الكنيسة أو الجامع، يتعبدون فيه ويمارسون طقوسهم الدينية داخله، لكنهم لم يفصحوا عن أماكن تلك المعابد بشكل عام، وعادة ما تكون داخل مناطق سكنية ويخفونه داخل منازلهم.


 

تذويب الهوية الكاكائية

 

يقول رجب عاصي وهو ناشط كاكائي، إن "هناك محاولات من قبل أحزاب إسلامية لإعتبارنا مسلمين، ونحن لدينا ديانة نتبعها، والغاية من كل هذا إلغاء وإنهاء وجود الكاكائية في العراق".

 

لا يجد الكاكائيون أية حماية من عمليات الإبادة التي يتعرضون لها، بحسب قول عاصي الذي يرى وجود ضرورة "لتشريع قوانين تحميهم من ما يتعرضون له، وأن يُعترف بهم في الدستور العراقي وتثقيف الناس على إننا لسنا كفرة أو مرتدين، بل أتباع ديانة مثلما لبقية المجتمعات دياناتها الخاصة".

 

سعت أطراف سياسية ودينية وقومية إلى تذوب هوية الكاكائيين ضمن مجتمعاتها وكسب نسمتهم المُقدرة بـ250 ألف كاكائي، لكن وبحسب عاصي الناشط الكاكائي، ليست الغاية كسب عدد فحسب، بل "إنهاء وجود الكاكائيين".

 

وتمكنت بعض الأطراف من شق صف المجتمع الكاكائي، فالإنقسام واضح الآن داخلهم، فبعض  يدعي إنتماء الكاكائين للإسلام والآخر يتحدث عن كونها ديانة لوحدها، وهناك من ذهب بالإتجاه القومي ورفع شعارات الولاء لشخصيات سياسية كوردية.

 

 

 

غياب التمثيل السياسي

 

ساهم عدم إعتراف الدستور العراقي بالديانة الكاكائية في تغييبهم سياسياً، فهم ليس لديهم أي ممثل في الحكومة العراقية ولا في برلمانها الذي يضم ممثلين عن المسلمين والمسيحيين والكورد والعرب والسنة والشيعة والأيزديين والصابئة المندائيين وعن الشبك أيضاً.

 

يقول ناشط كاكائي رفض كشف إسمه: "عرض علينا الحزب الديموقراطي الكوردستاني وأحزاب شيعية الإنتماء لها وإعطاؤنا مقعداً في البرلمان العراقي، لكننا رفضنا لأنهم لا يُريدون لممثلنا إذا ما وصل للبرلمان، أن يقول إنه كاكائي".

 

لكن في إقليم كوردستان العراق تضمن قانون الأقليات فقرة تُعطي للكاكائيين الحق في وجود ممثل عنها داخل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في حكومة الإقليم، لكن هذا لم يُطبق حتى الآن رغم مرور عامين تقريباً على إصداره.

 

الباحث سعد سلوم الذي أصدر أكثر من كتاب عن الأقليات في العراق، يرى ضرورة أن "يكون للكاكائيين تمثيلاً سياسياً، وأن يعترف الدستور العراقي بهم وبأية جماعات أخرى غير مُعترف بها".

 

 

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:

Captcha
الأكثر مشاهدة
الكشف عن شروط جديدة فرضتها بغداد على اربيل لقبول الحوار
بدر تكشف سبب خوض الانتخابات بمفردها.. وتتحدث عن "حقيقة الخلاف" مع دولة القانون
المؤتمر الوطني: النجاح في معركة مكافحة الفساد لا يعني بالضرورة النجاح بهذه المعركة
وزير العدل يصل الى الناصرية للإشراف على إعدام ارهابيين
صحيفة أمريكية: ترامب لا يستحق تنظيف مرحاض أوباما أو مسح حذاء بوش
لجنة الاحتجاجات تدعو الى التظاهر يوم غد الجمعة في عموم المحافظات
تظاهرة وسط بغداد للمطالبة بإطلاق سراح "الأبرياء" من المعتقلين
الجبوري في المغرب للمشاركة بقمة حول القدس
نسبة دمارها بلغت 70%.. الكشف عن كلفة اعمار محافظة نينوى
باقر الزبيدي: المجلس الأعلى سيفاجئ الكل في الانتخابات
مفوضية الانتخابات تكشف عدد الناخبين في المحافظات كافة
زيارة مرتقبة لثلاث لجان كردستانية إلى بغداد.. لهذا الهدف
عالية نصيف: وزارة النفط سددت ديونا بذمة حكومة كردستان من مصافي البصرة
العراق يدخل البند السادس بعد خروجه من السابع
حركة التغيير تقرر الخروج من حكومة الإقليم والبرلمان وتتحول إلى معارضة
العبادي يكشف: هذه أهم أسباب دخول الإرهاب إلى العراق
هذا ما قاله الزميل مؤيـد اللامـي خلال فعاليات مؤتمر الإعلامي الدولي ببغداد
الأمم المتحدة تحدد 6 أولويات للعراق بعد إعلانه النصر على داعش.. تعرف عليها
العراق يتحفظ على "ضعف القرار العربي" ورفض مقترحه بشأن القدس
العراق وايران يوقعان اتفاقاً لتصدير النفط الخام من حقول كركوك
الزراعة تمنع استيراد محصول البطاطا
طيران الجيش يقصف قوات "كردية انفصالية" شنت هجمات صاروخية على طوزخورماتو
غلق مطاري اربيل والسليمانية يتسبب بخسارة الاقليم 400 الف دولار يوميا
طالباني: هؤلاء "فراعنة الفساد" في إقليم كردستان
مكتب العبادي يوضح سبب عدم ذكر اسم البيشمركة في خطاب النصر
الانواء الجوية تتوقع اجواءً متباينة غدا الخميس
توقعات نيابية بعقد جلسة استثنائية لتمرير موازنة 2018
صحة بغداد تغلق 7 قاعات لبناء الاجسام في العاصمة
التربية تحدد موعد امتحانات نصف السنة
العراق يدخل البند السادس بعد خروجه من السابع
الحطاب: نقيب الصحفيين العراقيين يعقد اجتماعا مع ممثلي الوزارات والجهات الساندة.. لهذا الهدف
عبد اللطيف: حملة الفساد ستحظى بدعم السيستاني وستشمل هؤلاء المسؤولين
ريزان شيخ دلير: المرأة العراقية في خطر ونون النسوة لامحل لها من الإعراب
اتحاد الكرة ينفي انسحاب المنتخب الوطني من بطولة غرب آسيا
هيأة النزاهة: سنفتح ملفات فساد كبرى على مستوى العراق وهذا أبرزها
امطار وانخفاض بدرجات الحرارة طقس يوم غد
هيأة الحج تدعو الفائزين بالقرعة التكميلية الى تسديد الدفعة الاولى من التكلفة
منبئ جوي: انخفاض كبير للحرارة في العراق تصل الى الصفر المئوي
صندوق النقد الدولي يؤكد تحقيق تقدم مع العراق بشان موازنة العام 2018
النفط: إنشاء أنبوب جديد لنقل صادرات كركوك الى فيشخابور
لليوم الثاني.. الدولار ينخفض أمام الدينار في البورصات العراقي
الهجرة تعلن إعادة 446 لاجئاً عراقياً من مخيم الهول في سوريا
حركة التغيير تقرر الخروج من حكومة الإقليم والبرلمان وتتحول إلى معارضة
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية